محمد رأفت سعيد

98

تاريخ نزول القرآن الكريم

من كل جوانبه فالمسؤولية كبيرة والمهمة خطيرة ، والتحديات كبيرة ومستمرة ، ولا بدّ من تدعيم المؤمنين ليصمدوا وليثبتوا وليكونوا فوق الأحداث وأكبر من التحديات ، وسبل التدعيم في هذه المرحلة المبكرة كما يلي : قيام الليل فهو مدعم للنفس ويقويها ، وتوجيه هذا الأمر إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فيه معنى آخر في البناء النفسي وهو جانب الأسوة في رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، فهو يضع أمامهم ما يؤمر به ، وهم يقتدون به ، وبهذا شهد القرآن الكريم لهم ، وبدأ قيام الليل بصورة تلائم شدة الموقف ، وتمنح النفس قوة تتجاوز بها المخاطر ، وتشد بها العزائم فتهون المحن ، وتذلل الصعاب ، فقيام الليل المأمور به أول الأمر يشمل نصف الليل ، أو أقل من النصف بقليل أي نحو الثلث ، أو يزيد على النصف فيكون نحو الثلثين . وقبل أن نذكر بقية المدعمات نذكر أن قيام الليل سيجمع عددا من هذه المدعمات الطيبة ؛ ولذلك فقيام الليل مع مضمون هذا القيام يكون هذه الشخصية القوية التي تقترب من ربها ، وتنجو من آثار سيئاتها ، وتطرد الأسقام عن البدن . فالقوة - إذن - في قيام الليل قوة مادية وقوة معنوية . فعن سلمان رضي اللّه عنه قال : قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم ، ومقربة لكم إلى ربكم ومكفرة للسيئات ، ومنهاة عن الإثم ، ومطردة للداء عن الجسد » ، رواه الطبراني في الكبير ورواه السدى في الدعوات من الجزء الأول منه « 1 » . قيام الليل جامع لعناصر أخرى من هذه المدعمات منها : ترتيل القرآن الكريم ، والترتيل هو التمهل والمد وإشباع الحركات وبيان الحروف ، وذلك يعين على التفكر في معاني القرآن الكريم « 2 » . فإذا أضفنا الترتيل إلى قيام الليل ، فإن أوقات الليل كما تشهد لها الآيات : وَأَقْوَمُ قِيلًا ( 6 ) [ المزمل ] ؛ لخلو الذهن من المشاغل والبعد عن مزعجات الأصوات والحركة ، فالليل مقترن بالسكون والبعد عن الشواغل من بشر أو أعمال . وأما صلة الترتيل بهذه الهيئة وتدعيم النفس فقوية وواضحة ؛ فإن الترتيل سيجعل المرتل دائم الاستيعاب لمعاني القرآن الكريم ، وما أنزل من توجيهات ، فيتفاعل معها وتهديه للتي هي أقوم في كل شئ . وذكر هذا في بدايات التنزيل مع الأمر الأول في قوله تعالى : اقْرَأْ [ العلق : 1 ]

--> ( 1 ) الترتيب 1 / 545 ، 546 . ( 2 ) التسهيل لعلوم التنزيل 4 / 296 .